*بحث التربية العسكرية
ففي أحلامي ..
ما أعلى التقديرات التي سأتخرج بها ! ، و ما أكثر القدرات التي سأتحلى بها ! .. و مع أول شركة عالمية أفكر في الإنضمام إلى مجدها ، تتهافت عليّا تهافت الظمآن إلى الماء
أول مرتب يتعدى الثلاث آلاف جنيه دون المكافآت و الحوافز ، و مع أول مرتب يظهر البزغ و الغنى في أفعالي و شرائاتي ، و لا يخلو من التوفير الكافي لأحلامي ، أهدي والديَّ مما أنعم الله ، ما يشعرني بأني أرد جزءً من أفضالهما التي لا تحصى عليّ ، و ألبي لإخوتي ما يجول في خاطرهما ، و يتوفر لدي ما يغنيني عن أدنى سؤال و عن أقل حرمان
وفي أقل من عامين يتوفر لدي إحدى السيارات ، عربية موديل سنتها ، أنعم بالراحة عند الذهاب إلى العمل ، و أنعم بالسعادة عند العودة منه ، و لا أتثقل زيارة أصدقائي و أقاربي
و مع مرور الأعوام ، و مع الزيادات في قيمة المرتب ، و مع الزيادات في مدخراتي ، أتجرأ لشراء منزل خاص ، في أرقى الأحياء ، و في جيرة أرقى الطبقات ، و أعلى المستويات ، مصاحباً لسيارتي و التي لاتزال تحتفظ بكثير من رونقها ، لا أريد تغييرها مع مقدرتي لذلك
ولا ألبث أن أتقدم إلى أشرف البنات ، إلى أفضلهم أخلاقاً ، إلى أوفرهم جمالاً ، و إلى أعلاهم حسباً و نسباً ، راضيين مهللين بي ، مشتاقين إلىَّ ضعف شوقي إليهم ، راضيين أن تكون إبنتهم من نصيبي ، تشاركني سعادتي ، و تحظى بحبي ، عندئذ تزيد سعادتي سعادة و تزيد نشوتي نشوة
و مع مرور الأعوام ، و مع زيادة قدراتي و خبراتي ، و مع زيادة الطلب المتلاحق علىّ من أفضل الشركات العالمية ، تزداد العروض و المرتبات المجزية ، التي تفوق الخيال ، أستطيع أن أوفر رأس المال المناسب للبدء في مسيرتي الخاصة ، و للحصول على ناتج مجهوداتي و قدراتي وحدي ، فأضع أول لبنة لمشروع يزداد ضخامةً و إتساعاً و نجاحاً ، في عدة أعوام يصل إلى العالمية ، يتردد إسمي في كل بيت ، أصير قدوة لكل شاب ، و يظهر إسمي في قائمة أغنى أغنياء العالم
أحظى بالذرية الفائقة الصلاح ، عن طريق الرعاية المناسبة و التربية السليمة الصحية العلمية ، أشعر بودهن و حبهن الجارف إليّ ، خوفهم عليَّّّ و رحمتهم بي ، وقوفهم بجانبي و مؤازرة أحزاني ، و الإسراع إلى تلبية رغباتي و أمنياتي ، على أحسن ما يكون
أترك لهم إمبراطورية من النجاح ، يزيدونها نجاحاً فوق نجاح ، و علو فوق علو
و يفجر آذاني ..
ـ حصلت على مؤهل عالي ؟! .. هل لديك و اسطة ؟! .. إذن فلتكن ضابط إحتياط .. سنضيع من عمرك ثلاث سنين .. تذوق فيهم جميع أنواع الذل و المهانة .. تذوقها من من يقلون عنك شأناً و علماً .. مدعين أنهم يقوون رجولتك و صبرك على المصائب ..... و لتخرج مفعماً باليأس .. مملوءاً بالإحباط .. غير قادر على الإنجاز
أخرج و خيبة الأمل تملأني .. أرى صديقاً لي و الذي كان أقل مني شأنا في العلم ، قد أنشأ حياته الباهرة ، عمله المربح و زوجته الأصول ، و أولادٍ يملئون عليه حياته ، فقد كان يعرف رجلٌ ذات شأن ، إستطاع أن حصل بفضله على لقب عسكري في إحدى الوحدات القاهرية
فيزيدني هذ العدل ! .. إحباطاً فوق إحباطي ، و يفيض على هذا التكافؤ الفرصي خيبة أمل تملأ كياني
و لكن مع مرور الوقت أفوق منها ، و أصحو من غفلتها ، مدركاً أني قاربت على عقدي الثالث ، و لابد و أن أتزوج و أن أحصل على أطفال ، ولابد من العمل للصرف على هذه الزوجة و هؤلاء الأطفال .. حتما لا فوتني قطار الزواج
العمل ! .. أين العمل ؟! .. أبحث و أبحث و أبحث .. فما أجد سوى مزيداً من المحسوبية و عدم تكافؤ الفرص ، أهي حقاً إستفشت إلى هذا الحد ، أما أنها عقدتي ، تريني كل شيء أسوداً
إتخذت من المقاهي ملجئاً ، و التعبير عن مقتي لهذه البلاد تنفيسا لكبتي
أبدأ التفكير في الهجرة خارج هذه البلد .. إلى ما أسمع عنهم من بلاد الرغد العيشي و الإرتفاع في المستوى المعيشي ، أسعى جدياً في هذا ، أسأل هنا و هناك ، و أتذلل لهذا و ذاك ، إلى أن تنتهي مساعي بالفشل و فقدان الأمل
أيداوي الزمن كل هذه الجروح ؟! .. الأ تترك هذه الجروح أي آثار أو ندب ؟!
إستطعت أن أجد عملاً في إحدى الشركات ، لا أدري ما هو ، و ما هي كنيته الفعلية ، ما عليَّ سوى تنفيذ الأوامر و إمضاء الحضور و الإنصراف ، أتلذذ أحياناً بالتثاقل عليه , و أحياناً أخرى بكسر بعض القواعد و القوانين الخاصة بالعمل مع الزملاء
تزوجت قبل تجاوزي الأربعين ، و أنجبت ثلاث بنات و ولد قبل السابعة و الأربعين
لا أذكر مرة حصلت فيها على مكافأة نظير تفوقي في عملي ، كنت راضي بما عليه ، خالياً من الطموح ، من الهدف
فارقت الحياة و ما تركت سوى إسمي يحمله ولدي و حفيدين بعده ، إن كان يستطيع الإنجاب
هل دخولي الجيش ....
هو ما غير سير حياتي ؟! .. و وجهها إلى هذا الإضمحلال ؟!
لا أظن ذلك .. و إن كان هناك بعض الملحوظات لما يتم بداخله - و بداخل الكثير من المصالح الحكومية - ، لكن عمر ما كانت المشاركة في الدفاع عن الوطن و حماية أراضيه و تقوية جبهته شيء سئ أي كانت الظروف ، و لنكتفي بتخيل كيف سيكون وضع هذا البلاد دون جيش يسهر على حمايتها
المحسوبية
لماذا تفشت المحسوبية في هذه البلاد إلى هذا الحد ؟ .. قد أرى إجابة هذا السؤال كامناً في عاطفة هذا الشعب الجياشة المعروف بها و حبه الجارف للإجتماعيات ، مما يدفع أي واحد منه لعدم رفض طلب صديق أو رجاء قريب أو أي معرفة، لطلب ما ، لا سيما وأن كان مختصاً بسلطته و عمله ، سواء في وظيفة ، في إستخراج رخصة القيادة ، سواء في الجيش .. أي شيئ ، غير عابئاً لعواقب هذه المساعدة على المجتمع بأكمله
و قد يقودنا الحديث إلى الإكراميات و الهدايا (الرشاوي) ، و كثير من عواقب مسك الطبقة الوسطى لزمام الأمور
ولكن ..
هل الإيجابيات تلافت من المجتمع ؟ .. هل السلبيات وحدها هي عنوان الحياة ؟ .. هل ندع تلك السلبيات تقودنا إلى طريق غير معلوم الهوية ؟ .. أنتركها تدفننا أحياء ؟!
فلندع السلبيات جانباً و لنضرب بالأعذار عرض الحائط ، دعنا نملأ وجهنا بإبتسامة تحدي ، و لنشهر سيفنا عالياً ، يرجرج سليله عنان السماء ، واقفاً بكل قوة و عزم ، في مضاهاة أقوى العقبات
لم و لن نستطيع أن نحقق عالماً مثالياً خالياً من العيوب ، و لكن فليكن الصبر حليفنا و سلاح المجاهدين شعارنا ، لا نتعذر بأسباب واهية مهما كانت عظمتها ، ولا نستسلم لها ، فلنحاول بإصرار و تصميم التغلب عليها .. كلما واجهتنا عاقبة إزدادنا خبرة ، و كلما نجحنا في إجتيازها إزدادنا قوة .. فلنتحلى جميعا بإرادة من فولاذ ، تقهر كل العوائق و تشق طريقنا في وسط الصخور داخل الجبال ، عندئذ سنححقق ما في أحلامنا ، و نصل إلى هدفنا المنشود
* قدم أمس الإتنين الرابع من سبتمبرإلى التربية العسكرية بجامعة القاهرة (ميتهيئليش حد قراه)